الجمعة، 14 أغسطس 2009

نعم.. انّه عنف أسري تماما!

بعض الناس يظن بأن العنف الأسري، هو "العنف الجسدي " الموجّه ضد الأسرة من قِبل أحد أعمدة البيت، ولكن من يظن ذلك فهو مخطيء، فالعنف الأسري يمتد الى قنوات كثيرة منها "العنف الفكري "، الذي لا يلمس الجسد بل يدخل الى مكامن الفكر والروح، ويجعل الأسرة في حالة رعب من هذا الوالد أو الأخ أو الأم في بعض الأحيان.
فالكلام اللاذع والتشدّق بالقول البذيء والمسيء، يجعل الفرد داخل الأسرة يتوجّه الى العديد من المخارج، ليهرب من هذا العنف، ويكون في أغلبه مخرج خبيث لا يفيد الفرد ولا المجتمع، ولكن يفيد فئات الضلال المنتظرة للأسر المتصدّعة، حتى تنقضّ عليها.
ويؤلمني ذلك الموقف الذي مرّ بي في احدى السنوات، عندما وجدت فتاة أعرفها تدخل أحد الفنادق بصحبة صديقتها، فانتظرتها حتى تخرج، وباغتّها بالسلام عليها مع انها كانت تحاول الهروب مني.
وعندما سألتها عن أحوالها وعن أوضاعها أخبرتني بعملها، فلقد كانت تثق بي في أمورها الأسرية وتستشيرني في السابق عن مصائبها، ولا أخفيكم القول بأنني صدمت بتلك الفتاة الرقيقة، التي كانت تُضرب بها الأمثال من أخلاقها العالية، أن تعمل عمل "العاهرات "!
لقد تدمّرت هذه الفتاة وكان أول من دمرها هو والدها، فلقد كان عنيفا معها، جافَّ اللسان ومقطّبَ الحواجب في كل الأوقات، وكان يتعاطى المسكرات بادمان، فيُلقي عليها الكلام السيء هي واخوتها، حتى اذا فاض به الكيل حرمها في يوم من الأيام من مواصلة الدراسة، وهي في السنة الأخيرة بمدرستها الثانوية!
حاول العديد من الوسطاء التدخّل، حتى يوقفوا هذا العنف الفكري والدامي لقلب فتاتنا، ولكن دون جدوى، فلقد كان الوالد غليظ القلب وأسود التصرفات معها ومع والدتها واخوتها، وكان لا يرضى أن يتدخل أحد في حياته الأسرية.
وعندما أخبره البعض بأنه عنيف مع أسرته، كان ردّه: وأين هو العنف، وأنا لم أضرب أي أحد منهم يوما!
كان يردد على فتاتنا كلمات مؤلمة لا تُكتب ولكننا نكتب أبسطها، فيقول لها تارة بأنها قبيحة المنظر، وانها ستكون عالة عليه في يوم من الأيام، وتارة أخرى كان يشرب الخمر ويطلب معاشرتها، ووالدتها واخوتها يبكون وليس هناك منقذ ينقذهم من براثن هذا الوالد.
وفي يوم بائس قام الرجل باحراق كل أغراض ابنته، بدون سبب وبدون وجه حق، فقط ليثبت لها قوّته وجبروته عليها، ولكنه لم يعلم بأنّه أحرق قلبها، وقدّمها على طبق من فضة الى مصيرها الأسود.
وكانت الخاتمة هروب الفتاة من عش الأسرة غير الدافيء، الى وكر بعض الخبثاء الدافيء، هذا الوكر الذي جرّها الى طريق الشقق المفروشة والفنادق الرخيصة، التي تتاجر بالبشر!
لقد جنى الأب على ابنته، بأنانيته وعنفه الفكري وقسوته الغير مقبولة، بل وعصر قلبها وجرح كيانها ودمّرها رأسا على عقب، ففي بعض الأحيان لا نحتاج الى سوط لنعذّب من يحبنا، وانما الى أخلاق في الحضيض حتى ندمّر أسرتنا، والأمر بسيط ومعقّد و لايشعر به الا من "يعانيه ".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق